لا يعني اقترابنا من بداية عام جديد، أننا نقف أمام انتقال زمني فقط في صفحات التقويم، بل أمام لحظة يتباطأ عندها الإيقاع ويعلو فيها صوت التأمل. إنها مساحة نادرة يمنحها الزمن للإنسان كي يتوقف، لا ليتأمل ما مضى فحسب، بل ليُعيد مساءلة المسار أيضاً ويزنَ التجربة ويستشرف المقبل بعين أكثر وعياً، وقلب أكثر استعداداً. والبدايات السنوية، وإنْ لم تكن شرطاً للتغيير، تظل توقيتاً فطرياً تتلاقى فيه الرغبة الفردية بإيقاع المؤسسات والدول، فنشعر غالباً أن الوقت قد حان لإعادة ترتيب الأولويات والانطلاق من جديد برؤية أوضح وإرادة أصلب واستعدادٍ يليق بحجم التحديات المقبلة.
ويصبح هذا الشعور - بالحاجة إلى التأمل والاستعداد للتغيير- أكثر إلحاحاً عندما ننظر إلى العالم المتسارع من حولنا ورياح التحولات التكنولوجية العميقة تحرّكه. ها نحن نشهد تغيرات تُلامس كل شيء، من ذكاء اصطناعي يُعيد تشكيل مفاهيم الإبداع والعمل واتخاذ القرار، إلى ثورات متسارعة في الطب والطاقة تعِد بإعادة تعريف جودة الحياة نفسها. وفي هذا المشهد الديناميكي تتكشف ملامح مرحلة تحول عميقة تُعيد صياغة ما اعتدناه في العمل والحياة. وبناءً عليه يتحوّل مفهوم النجاح من التعويل على الإمكانيات القائمة، إلى الرهان على القدرة على التعلّم المستمر، وإعادة التعلّم، والتكيّف السريع مع المتغيرات. وقد أثبت الواقع أن الأفراد والمجتمعات التي تتبنّى عقلية تقبل التجديد بصفته أسلوب حياة، هم الأقدر على صناعة الأثر الحقيقي والمستدام.
وإذا أردنا نموذجاً حيّاً يترجم هذه الفلسفة إلى واقع ملموس، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدّم مثالاً مُلهِماً وجديراً بالتأمل، فقد نجحت، برؤية استباقية لا تعرف الجمود، في تحويل التحديات إلى منصات انطلاق نحو المستقبل. شهدنا ذلك بوضوح على المستوى الصحي عبر تبنّي أحدث تقنيات الطب الرقمي والذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاج. وعلى المستوى الاقتصادي عبر انتقال استراتيجي واثق نحو اقتصاد معرفي مستدام يرتكز على الابتكار والفضاء والتقنيات المتقدمة، مع المحافظة في الوقت نفسه على نسيج اجتماعي وثقافي منفتح ومتوازن يتقبل التنوع ويحتضن الإبداع، وهو ما جعل دولة الإمارات بيئة عالمية جاذبة وملتقىً حيّاً للأفكار والحضارات.
ومن هذا المنطلق، وانسجاماً مع النهج التطويري الذي ترسمه الدولة، يضع مجلس التوازن للتمكين الدفاعي نُصب عينيه الرؤية الاستباقية نفسها، فلا ننظر إلى بداية العام بصفتها مناسبة احتفالية عابرة، بل نراها فرصة مؤسسية استراتيجية لإعادة التعلّم، وتقييم المسارات، وإلغاء ما لم يعُدْ مناسباً من ممارسات أو افتراضات مؤسسية. إنها لحظة واعية لـ «زراعة» رؤية جديدة، رؤية مرنة تتقبل المستجدات، ومتجدّدة تحيّد منطق «هكذا كان دائماً»، وتستشرف المستقبل بثقة ومسؤولية.
وبناءً عليه، فإن تطلعاتنا إلى عام 2026 لا تنطلق من كونه عاماً يلي آخر، بل من عَدِّه مرحلة نوعية لإعادة بناء المنظومة المؤسسية على أسس أكثر مرونة ووضوحاً واتساقًا مع متطلبات المستقبل. مرحلة نتبنّى فيها عقلية التجديد المؤسسي خياراً واعياً قائماً على التخطيط والاستشراف، تُترجم في مفرداتنا، وتنعكس في هيكليتنا التنظيمية، وتتجسّد في أساليب عملنا.
ففي هذه المرحلة تُصبح المرونة سمة راسخة في الثقافة المؤسسية، والابتكار جزءاً أصيلاً من العمليات، ويغدو التحول نحو توظيف الذكاء الاصطناعي أداة تمكينية لتعزيز كفاءة القرار وتسريع الإنجاز ورفع جودة التخطيط والتنفيذ. وبهذا التكامل بين العقلية والهيكل والتقنية، نعيد تشكيل أدواتنا بهدف تمكين المنظومة الدفاعية، وبناء شراكات أكثر فاعلية واستدامة، بما يخدم أهدافنا الوطنية والمجتمعية السامية، ويؤسّس لمجلس أكثر جاهزية وتأثيراً في المرحلة المقبلة.
وفي النهاية، تذكّرنا هذه الدورة السنوية بحقيقة كونية راسخة، أن التغيير هو الثابت الوحيد، وهو بذلك القانون الطبيعي للتقدم، فمقاومته تُعرقل مسيرتنا، وتقبُّله يحرّر طاقاتنا، وتبنّيه بوعي يصنع إنجازاتنا. وفي عصرنا هذا لم تعُدْ المرونة والتجديد خيارين ترَفيَّين، بل أداتا البقاء والازدهار والتقدم، فلنستقبل عام 2026 بروح المتعلّم المستمر، والمتكيف الواعي، والمبتكر المسؤول، ولنكن جميعاً -أفراداً ومؤسسات - صُنّاعاً لهذا المستقبل الواعد، حيث تصبح كل بداية جديدة صفحة بيضاء نكتبها بإرادة ووعي نحو تحقيق التوازن والازدهار المنشودَين.
*الأمين العام لمجلس التوازن


